محمد متولي الشعراوي
1630
تفسير الشعراوى
إن الذين قالوا ذلك ليسوا من البشر ، إذن فكلام اللّه يؤكد أن الكعبة هي أول بيت وضع للناس ، أي للجنس البشرى ، ولذلك فلا داعى أن نتكلم في الأشياء التي يقف فيها العقل حتى لا ندخل في متاهة . ولو كان اللّه قد أراد أن يعلمنا أن الكعبة هي أول بيت في الأرض لقال لنا : « إنه أول بيت وضع في الأرض » ، ولم يكن قد حدد الجنس الذي وضع البيت من أجله ، لكن الحق سبحانه قال : « إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً » ، ولذلك بين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن قبله بيوتا ، ولكنه أول بيت وضع للناس . إنه جواب يتسع لكل ما يأتي به العلم . وحين ننظر إلى القول الحق : « إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً » ما معنى « أول » ؟ إنه الابتداء ، وهل كل ابتداء له انتهاء ؟ لا ، إن هناك أمورا لها « أول » وليس لها « آخر » ومثال ذلك العدد « واحد » وما بعده ليس له آخر ، فآخر ما بعد العدد واحد هو ما يمكن الإنسان أن يحسبه عجزا في التقديرات الدشليونية ، ولكن ما بعد الدشليون هناك أعداد أخرى ، وكان الإنسان قديما يقف عند الألف ، ثم يقول عن المليون « ألف ألف » ، وكذلك الجنة لها أول وليس لها آخر . إذن فأول بيت وضعه اللّه للناس هو الكعبة . وعندما نرى كلمة « وضع » نجدها فعلا ، ونرى أنه قد وضع للناس . وما دام هذا البيت قد وضع للناس لذلك فمن اللازم حين تأتى كلمة « ناس » أن يكون هناك « بيت » و « آدم » من الناس ، ووالد كل الناس ، وكان له بيت وضع له . وحين يقال : إن البيت قد تم بناؤه قبل آدم فإننا نقول : نعم ، لأن آدم من الناس ، واللّه يقول : « إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ » فلماذا نحرم آدم من أن يكون له بيت عند اللّه ؟ إذن فالبيت موجود من قبل آدم . وبعض الناس تظن أن إبراهيم عليه السّلام هو الذي بنى البيت ، ولأصحاب هذا الظن نقول : لنفهم القرآن معا ، إن مثل هذا القول يناقض القرآن ؛ لأن القرآن قد قال : « إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ » وذلك إيضاح أن إبراهيم كان من قبله أناس سابقون له ، فكيف لا يكون للناس من قبل إبراهيم بيت ؟ ولا يكون للناس من بعد إبراهيم بيت ؟ إن الذين كانوا يعيشون قبل مجىء إبراهيم عليه السّلام لهم الحقوق نفسها عند اللّه التي وضعها اللّه لمن بعد إبراهيم ، فلابد أن اللّه قد جعل بيته لهم ، والنص القرآني